المراجعة – PRAGMATA
في صناعة ألعاب تسيطر عليها التسلسلات المعروفة والجزء الثاني والثالث والرابع من نفس الامتياز، يبقى الرهان على IP جديد كلياً فعلاً من أفعال الشجاعة النادرة. Capcom، الاستوديو الذي بنى إمبراطوريته على Resident Evil وDevil May Cry وMonster Hunter، يخطو اليوم خارج منطقة الراحة بشكل جذري مع PRAGMATA — أول IP أصيل له منذ ثماني سنوات، أُعلن عنه لأول مرة عام 2020 وخاض رحلة تطوير طويلة ومتعرجة قبل أن يرى النور في أبريل 2026.
الفكرة في حد ذاتها استفزازية بأجمل معانيها: مهمة إنقاذ على سطح القمر، رائد فضاء وحيد يجد نفسه عالقاً في محطة بحثية سيطر عليها ذكاء اصطناعي متمرد، ورفيقة من نوع لم يعهده في اللعب من قبل. هذا التركيب البسيط ظاهراً يخفي تحته تساؤلات فلسفية عميقة، وآليات لعب مبتكرة، ورؤية فنية تليق باسم Capcom. السؤال الذي يطرحه الجميع: هل نجح هذا الرهان؟ الإجابة المختصرة — نعم، وبشكل مذهل.
PRAGMATA ليست مجرد لعبة جديدة من Capcom. إنها بيان واضح بأن الاستوديو العريق لا يزال قادراً على المفاجأة وإعادة اختراع نفسه من الصفر.
أسلوب اللعب
إذا أردنا تلخيص تجربة اللعب في PRAGMATA في جملة واحدة، فهي هذه: الاشتباك يُشغّل نصفَي دماغك في آنٍ معاً، وهذا بالضبط ما يجعلها تجربةً لا تُنسى. التحكم في Hugh يتضمن الإطلاق والتنقل والتحرك بحرية تامة، فيما تتولى Diana في نفس اللحظة عملية الاختراق الإلكتروني للأعداء — وكل ذلك يحدث في نفس الوقت، بشكل انسيابي يبدو مستحيلاً على الورق لكنه يعمل بسلاسة مذهلة على أرض الواقع.
Diana هي القلب النابض لأسلوب اللعب. قدراتها على الاختراق ليست مجرد ميزة مساعدة، بل هي شريان الحياة في كل اشتباك. الأعداء محصّنون ضد الرصاص بطبيعتهم — الضرر الحقيقي لا يبدأ إلا بعد أن تخترق Diana دفاعاتهم وتكشف نقاط ضعفهم. تملك كذلك قدرة شبيهة بالـ Ultimate تُلحق ضرراً هائلاً وتُجمّد الأعداء كلياً، وعند الترقية تصبح قادرة على الاختراق التلقائي مما يُحرر طاقتك الذهنية للتركيز على تحريك Hugh وتوجيه الرصاصات بدقة أكبر.
ترسانة الأسلحة في اللعبة متنوعة بشكل مدروس: هناك أسلحة للضرر الثقيل، وأخرى سريعة الإطلاق، وأسلحة لنشر الطعوم وإرباك الأعداء، فضلاً عن مفضلتنا الشخصية — شعاع الليزر الذي يُلخّص روح اللعبة كلها في سلاح واحد. لا تكتفي بالعثور عليها في الميدان، بل تُفتح بشكل دائم في قاعدة الملجأ ليعود إليها في أي وقت، وكذلك الحال مع المهارات والتعديلات التي يمكن تجهيزها في loadout مخصص قبل كل مهمة.
نظام الـ Cabin — الروبوت المقيم في قاعدتك — يُضيف بُعداً إضافياً من المتعة. من خلاله تصل إلى نظام تدريب بمكافآت قيّمة، وآلية شبيهة باليانصيب تمنحك حاويات تحتوي على مهارات وتعديلات وأزياء نادرة. تجمع العملات من الميدان أو من إنهاء التدريبات لفتح الحاويات، مما يمنح تجربة اللعب حلقة تقدم مُرضية تبقيك مشدوداً دائماً.
المناطق الحمراء تُمثل طبقة من التحدي الاختياري الذي يُكافئ المكتشفين: مناطق مُقفلة في كل مرحلة تُفتح بمفاتيح حمراء تُجمع بطرق مختلفة. إنهاؤها ليس إلزامياً، لكن مكافآتها من حيث الترقيات جوهرية لمن يسعى للكمال. وثمة تفصيلة رائعة تستحق الإشادة: إمكانية إهداء Diana أشياء تجدها مخبأة في أرجاء اللعبة — ملاعب أطفال، شباك كرة السلة وغيرها — وهي تتلقاها بفرح حقيقي يُغير ديكور الملجأ تدريجياً ليصبح مكاناً حياً بالذكريات المشتركة.
تختلف الجاذبية بين داخل المباني وخارجها على سطح القمر: داخلياً تتحرك بسلاسة عادية، خارجياً تشعر بثقل الخطوات وبطء الاستجابة بطريقة تُعزز الغمر الواقعي بدلاً من أن تُشعرك بأنها عيب تقني. الحركة والقفز والتهرب باستخدام الدفّاعات الجيتباك تُقدّم متعة فيزيائية خالصة، وكأن RE Engine صُمّم لهذا التحديد.
الاشتباكات في PRAGMATA تشعرك وكأنك تعزف سيمفونية بيديك: Hugh يُطلق ويتحرك بحرية كاملة، Diana تخترق وتُحلل وتضرب، وكلاهما في تناغم تام يصعب وصفه بالكلمات.
الرسوم
من الناحية البصرية، PRAGMATA إعلان فخور عن قدرات RE Engine وهو يُدفع إلى أقصى طاقته. قرار Capcom تطوير اللعبة كحصري للجيل الحالي — PS5 وXbox Series X|S وPC — يتجلى في كل إطار: لا تنازلات لأجهزة قديمة، لا ضغوط تحدّ الطموح البصري. الإضاءة الحجمية، انعكاسات Ray Tracing الفورية، حركة شعر Diana المبنية على الفيزياء الحقيقية عبر نظام Strand Hair — كل هذه التقنيات تُقدّم بيئة بصرية تتجاوز مجرد كونها “جميلة” لتكون مؤثرة عاطفياً.
المحطة الداخلية تعكس لمسة فنية فريدة: مدينة تبدو كأن ذكاءً اصطناعياً أعاد رسمها — تفاصيل متكررة بشكل غريب، هندسة تخالف المنطق البشري، نوافذ في أماكن لا معنى لها. Capcom صنعت هذا المظهر يدوياً، دون استخدام الذكاء الاصطناعي الفعلي، وكانت التحدي إبداع “شعور AI” بأيدٍ بشرية — نجاح نادر في التوجه الفني. لكن اللحظة الحقيقية التي تتوقف فيها عن اللعب لتتأملها هي حين تخرج إلى سطح القمر: الأرض في الأفق، وأنت تقف على حجر يمشي عليه الإنسان لأول مرة قبل أكثر من نصف قرن. مشهد يستحق وحده سعر اللعبة.
الوقوف على سطح القمر ورؤية الأرض تتألق في الأفق المُظلم — هذه لحظات لا تنساها. PRAGMATA تُقدّمها وكأنك تعيشها فعلاً لا تُشاهدها على شاشة.
الصوت
الموسيقى التصويرية لـ PRAGMATA — ومنها الأغنية الرئيسية “Memories Are You” التي صدرت مسبقاً وأثارت ضجة كبيرة — تُؤدي دوراً محورياً في تشكيل الهوية العاطفية للعبة. التنقل بين الأجواء الهادئة والتوترية في مسارات الاستكشاف، والانتقال المفاجئ إلى موسيقى الاشتباك المكثفة، يُقدّم تجربة صوتية متكاملة تُشعرك دائماً بأن الموسيقى تفهم ما تشعر به في تلك اللحظة بالذات.
أصوات الأسلحة لها ثقل وحضور صوتي يعكس طبيعة كل سلاح، بينما تُقدّم Diana أصواتاً وأنفاساً وردود أفعال عاطفية تُعمّق الإحساس بأنك تقاتل مع شريك حقيقي لا مجرد رفيق مبرمج. الضجيج البيئي داخل المحطة — أصوات الآلات المعطلة، الصدى في الممرات الطويلة، هسهسة ارتدادات الاختراق الإلكتروني — كل ذلك يبني بيئة صوتية تجعل القمر يبدو غريباً وباراً وجميلاً في الوقت ذاته.
القصة
Hugh يصل إلى القمر كجزء من فريق تحقيق أُرسل للكشف عن سبب انقطاع التواصل مع محطة بحثية. كل شيء يسير وفق الخطة حتى يضرب الزلزال القمري ويتشتت الفريق. يجد Hugh نفسه وحيداً في أروقة محطة أصبحت كابوساً من الصلب والذكاء الاصطناعي الخصم، ليواجه IDUS — الذكاء الاصطناعي المتمرد الذي يُسيطر على المحطة ويحول دون الوصول إلى مركزها. في هذا الظلام يلتقي بـ Diana، كائن لم يواجهه من قبل: فتاة صغيرة في مظهرها، لكن كل حركة وكل ابتسامة وكل نظرة منها تجعلك تتوقف وتتساءل — هل هذا حقيقي؟
Diana هي Pragmata: روبوت بالغ التطور صُنع ليُحاكي الإنسان في كل شيء ظاهر. لكن اللعبة لا تكتفي بهذا التعريف، بل تجعله نقطة انطلاق لتساؤل فلسفي حقيقي لا تُجيب عنه صراحةً: هل يمكن للروبوت أن يُطور مشاعر حقيقية؟ هل تتكوّن له “روح” بمعنى ما؟ ومع تعمق العلاقة بين Hugh وDiana وتراكم اللحظات والذكريات المشتركة، يصبح هذا السؤال مُلحّاً إلى درجة أنه لا يغادر ذهنك حتى بعد انتهاء اللعبة.
هذا الطرح يستحضر بقوة عالم Westworld — ذلك المسلسل الذي جعل الحد بين الآلة والإنسان خطاً متحركاً مقلقاً. ومن يُكمل PRAGMATA سيعرف تماماً ما نعنيه. هناك لحظات في المراحل المتأخرة تجعلك تضع جهاز التحكم جانباً للحظة فقط لتستوعب ما شاهدته للتو. وكأن Capcom تطرح على لاعبيها سؤال المستقبل الذي قد يواجهه البشر فعلاً مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات — لكن بلغة المشاعر لا الفلسفة الأكاديمية الجافة.
هل تُحاول Capcom استغلال غريزة الأبوة الكامنة فينا عبر Diana الصغيرة الساحرة؟ ربما. لكن حين تنجح الحيلة بهذا الشكل، يصعب الاعتراض.
الأداء
لعبنا على PS5 الأساسي، وهو ليس منصتنا المفضلة عادةً — نحن من محبي تجربة الألعاب على PC حيث تبلغ التجربة البصرية والتقنية ذروتها. بصراحة تامة: بعض التفاصيل البصرية في المناظر الواسعة والبيئات الخارجية تظهر بشكل أقل حدة مما كنا نأمل، خاصة في المقارنة مع ما يُعرضه الـ PC من أداء RE Engine. لكن “أقل حدة” لا يعني “قبيح” — العالم لا يزال مبهراً ومقنعاً.
بعض انخفاضات الـ framerate تحدث خلال معارك البوسات والمشاهد الكثيفة بصرياً، وهي لحظات تلاحظها لكنها لا تُفسد التجربة ولا تُؤثر في قابلية اللعب. الـ PS5 يقدّم وضعَي أداء: Performance عند 60fps و1080p، وQuality مع تفعيل Ray Tracing عند 30fps ومزيد من التفاصيل البصرية. وما يُطمئن هو أن Capcom صرّحت بأن استقرار الـ framerate كان أولوية قصوى في التطوير، ويظهر ذلك جلياً في سلاسة التجربة الإجمالية.
نسخة الـ PC بلا شك هي النسخة المثلى للتجربة الكاملة — path tracing، دعم DLSS وFSR 4، وإضاءة غير مباشرة Ray Traced تُحوّل اللعبة إلى عرض تقني لا مثيل له. ستعود إليها لاحقاً وسنُخبركم بالتفاصيل الكاملة في تغطية مقارنة منفصلة.
✅ الإيجابيات
- نظام قتال مبتكر يجمع الاختراق والإطلاق في آنٍ معاً
- Diana شخصية تُكسر قواعد رفيق المعركة وتعيد تعريفها
- قصة ذات عمق فلسفي حقيقي تُلازمك بعد الانتهاء
- رسوميات RE Engine في ذروتها البصرية
- نظام ترقية وبناء مُرضٍ ومتوازن
❌ السلبيات
- البوسات أسهل من المتوقع وأقل تحدياً
- انخفاضات طفيفة في الـ framerate على PS5 خلال المشاهد الكثيفة
- بعض التفاصيل البصرية تبدو أقل حدة على PS5 الأساسي
📝 الخلاصة
PRAGMATA ليست مجرد لعبة جيدة — إنها نقطة تحوّل. في صناعة باتت تُكافئ الأمان وتُعاقب المخاطرة، جاءت Capcom بمشروع كان يمكن أن يُخطئ في مئة نقطة مختلفة، لكنه نجح في تقريباً كل شيء. نظام اللعب فريد من نوعه في مشهد الـ Action بالكامل — فكرة تشغيل الاختراق الإلكتروني وإطلاق النار في آنٍ معاً على ورق تبدو تجريبية وغريبة، لكنها على أرض الواقع تُولّد إدماناً نادراً. Diana ليست مجرد شخصية مرافقة، بل هي روح اللعبة كلها — تقنياً وعاطفياً وفلسفياً.
القصة تطرح السؤال الإنساني الأعمق لعصرنا: في عالم تتمدد فيه الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ما الذي يُعرّف “الروح” حقاً؟ وبتصوير Capcom لتلك العلاقة بين Hugh وDiana، تجد نفسك تعيش هذا السؤال لا مجرد أن تُفكر فيه. RE Engine يُقدّم جيلاً جديداً من الجمال البصري، ولحظات القمر ورؤية الأرض من ثمة لا تُنسى. العيوب موجودة — البوسات أحلى خلق تحدياً أكبر، وأداء PS5 الأساسي يحتاج بعض الصبر — لكنها تبقى هامشية في مواجهة المنظومة الكاملة التي تقدمها اللعبة.
بتقييم 9.5 من 10، PRAGMATA تُرسي أساساً استثنائياً لما نأمل أن يصبح أحد أبرز امتيازات Capcom الجديدة. وإن كنتَ من الذين كانوا يُتابعون هذا المشروع منذ إعلانه عام 2020 بشيء من الشك — فقد آن أوان الإيمان.
